مع بداية كأس العالم 2026، تغلب الحماسة الجميع، وينتظر كل واحد منا بشوق مباريات منتخب بلاده، وعقله مليئ بالتساؤلات؛ عن أداء فريقه، وهل سيفوز أم لا؟ لكن المهتمين بالاستثمار العقاري في السعودية عادة ما يفكرون في العلاقة بين كأس العالم وسوق العقار، ويسألون؛ هل يؤدي كأس العالم فعلًا إلى ارتفاع أسعار العقارات؟ وهل يمكن أن تمثل استضافة السعودية لكأس العالم 2034 فرصة استثمارية؟ 

جدول المحتويات
كيف يغيّر كأس العالم سوق العقارات في المدن المضيفة؟

هل ترتفع أسعار العقارات في جميع المدن المضيفة؟

3 عوامل تحدد تأثير كأس العالم على العقارات

تأثير استضافة السعودية لكأس العالم 2034 على السوق العقاري السعودي

كيف يمكنك كمستثمر الاستفادة من كأس العالم؟

كيف يغيّر كأس العالم سوق العقارات في المدن المضيفة؟

يعلم الجميع أن كأس العالم يخلق طلب قويًا جدًا على العقارات في المدن المضيفة للمباريات، وهو ما يرفع أسعار العقارات إلى حد كبير بل وأحيانًا تتضاعف عوائدها الإيجارية. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن هذا التأثير لا يبدأ يوم الافتتاح، ولا يحدث دائمًا بنفس الطريقة التي يتوقعونها.

حين تفوز مدينة بحق استضافة كأس العالم، تنطلق سلسلة من التحولات المتتالية التي تُعيد تشكيل سوقها العقاري عبر ثلاث مراحل متتالية، كل منها لها طبيعتها وفرصها بل ومخاطرها أيضًا. 

المرحلة الأولى: قبل بداية كأس العالم 

تبدأ هذه المرحلة قبل البطولة بسنوات وبمجرد الإعلان عن فوز المدينة بحق الاستضافة. إذ تضخّ الحكومة المليارات في البنية التحتية من طرق ومطارات ومترو وغيرها. لا تقتصر هذه المشاريع على خدمة الزوار فقط، لكن تخدم السكان أنفسهم لعقود قادمة فيما بعد. لذلك تصاعد سعر العقارات القريبة من هذه المشاريع في هذه المرحلة لا علاقة له بنجاح البطولة من عدمه، بل بالتحوّل الفعلي في قيمة الموقع أو المدينة نفسها. 

على سبيل المثال، استثمرت الحكومة البرازيلية نحو 11.6 مليار دولار أمريكي على البنية التحتية تحضيرًا لمونديال 2014، بحسب البيانات الرسمية للحكومة البرازيلية. وشهد سوق العقارات السكنية طفرة استثنائية: فقد تضاعفت أسعار العقارات في ساو باولو وريو دي جانيرو تقريبًا ثلاث مرات خلال سنوات التحضير للمونديال بين يناير 2009 ويونيو 2013 بحسب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2013.

مثال أخر أقرب لنا في الوطن العربي، ضخّت قطر نحو 229 مليار دولار في مشاريع بنية تحتية شاملة استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2022، فأنشأت مدينة لوسيل من الصفر، وطوّرت مشيرب في قلب الدوحة القديمة، وبنت شبكة مترو متكاملة. لكن الانعكاس الحقيقي على سوق العقارات لم يظهر إلا قبل البطولة بأشهر قليلة.

فانعكس ذلك مباشرة على سوق الإيجارات السكنية التي نمت بنسبة تتراوح بين 20–25% خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للبطولة، بحسب ما وضحه فيصل دوراني، الشريك ورئيس قسم الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط بشركة نايت فرانك.

المرحلة الثانية: في أثناء البطولة 

تتزامن المرحلة الثانية مع البطولة نفسها؛ فملايين الزوار في عدة أسابيع يعني طلبًا استثنائيًا على الإقامة، ما ينتج عنها ارتفاعًا قويًا في أسعار الإيجارات القصيرة. هذه المرحلة بالرغم من أنها حقيقية ومربحة لكنها مؤقتة تنتهي مع صافرة النهاية.

في البرازيل، ومع تدفّق نحو 3.7 مليون زائر خلال البطولة، تضاعفت أسعار الإيجارات المؤقتة في ريو دي جانيرو ثلاث مرات في المتوسط. وارتفعت أسعار الفنادق بنسبة تصل إلى 500٪ في بعض المدن المضيفة، حيث شهدت برازيليا ارتفاعًا بنسبة 376٪، بينما سجلت ساو باولو قفزة بنسبة 100٪ وفقًا لوزارة السياحة البرازيلية.

الأمر لم يختلف كثيرًا في قطر، فانعكس استقبال 1.4 مليون زائر على سوق الإيجارات السكنية مباشرة، حيث نمت بنسبة تتراوح بين 20–25% بين منتصفي 2022 و2023، بحسب ما وضحه فيصل دوراني، الشريك ورئيس قسم الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط بشركة نايت فرانك. في حين قفزت أسعار الغرف الفندقية بنسبة 463% في نوفمبر 2022 مقارنة بمستويات 2019، بحسب تحليل Lighthouse لبيانات أسعار الفنادق.

المرحلة الثالثة: بعد البطولة

هذه المرحلة هي الأخطر، لأنها عادة ما تكون مبهمة وغير متوقعة. حيث يمر السوق العقاري بمرحلة تصحيح وإعادة تقييم. وهنا تفترق المسارات حيث تنجح بعض المدن في جذب الاهتمام العالمي إليها لتكون وجهة سياحية دائمة بعد كأس العالم، في حين تفشل مدن أخرى وتجد نفسها أمام فائض هائل في المعروض وانخفاض حاد في الأسعار.

في قطر مثلًا، أفاد تقرير شركة نايت فرانك حول سوق العقارات في قطر لصيف عام 2023، بانخفاض الإيجارات في العديد من المناطق، لا سيما في منطقتي ووترفرونت وفوكس هيلز في لوسيل، حيث انخفض متوسط إيجارات الشقق فيهما بنسبة 23% و18% على التوالي. 

هل ترتفع أسعار العقارات في جميع المدن المضيفة؟

حسنًا، بالتأكيد استنتجت أن الإجابة المباشرة هنا لا. دعنا نرى ذلك من أرقام المونديال الحالي 2026. فحينما مُنحت كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك حقوق الاستضافة لمباريات كأس العالم لهذا العام، في يونيو 2018، أجرت شركة Enness Global دراسة لتحليل نمو أسعار المنازل في المدن الـ 16 المختارة لاستضافة المباريات، وقارنت قيم العقارات مع أحدث بيانات سوقية متاحة. 

كشفت الدراسة أن قيم العقارات في هذه المدن قد زادت بنسبة 44% في المتوسط ​​منذ منح البطولة في عام 2018. لكن المثير للانتباه هو التفاوت الكبير بين المدن نفسها، حيث ارتفعت قيمة العقارات في مدينة غوادالاخارا المكسيكية بنسبة 111.6%، يليها مدينة مونتيري بنسبة 99.7%. أما في الولايات المتحدة فارتفعت العقارات في ميامي بنسبة 71%، وكانساس سيتي بنسبة 66.2%. 

وعلى الجانب الآخر، سجلت مدن أخرى معدلات نمو ضعيفة جدًا مثل فانكوفر 8.6% وسان فرانسيسكو 2.9%، بالرغم من أن كلا السوقين كانا يتمتعان بالفعل بمستويات أسعار أعلى بكثير مقارنة بالعديد من المدن المضيفة الأخرى عند منح حق استضافة البطولة.

الحقيقة التي تقولها الأرقام هنا أن كأس العالم لا يرفع العقار بمعدل ثابت لكل المدن، إنما يرفع الأسواق التي تمتلك أصلاً محركات نمو حقيقية، ويُسرّع في الأسواق التي تشهد تحولات اقتصادية موازية. مدن مثل غوادالاخارا ومونتيري كانت تنمو بقوة بفعل موجة التصنيع المحلي، ونقل آلاف الشركات المصانع وسلاسل الإمداد من الصين إلى المكسيك لتكون قريبة من السوق الأمريكي.

أما ميامي، فهاجرت إليها الكثير من رؤوس الأموال والشركات التقنية والمالية من نيويورك وكاليفورنيا هروبًا من الضرائب المرتفعة. هذا يعني أن هذه المدن كانت تعيش تحولات اقتصادية قوية ومستقلة عن كرة القدم، والمونديال أضاف إليها دفعة إضافية. 

وهذا ما أكدته بالفعل إيسلاي روبنسون، الرئيسة التنفيذية لشركة إينيس غلوبال، في تعليقها على هذه النتائج، حيث فقالت: “هناك ميل للنظر إلى الأحداث الرياضية الكبرى من خلال عدسة ما يحدث أثناء البطولة نفسها، ولكن من منظور العقارات، تبدأ القصة الحقيقية في كثير من الأحيان قبل ذلك بسنوات.”

3 عوامل تحدد تأثير كأس العالم على العقارات

إذن، السؤال هنا؛ لماذا تنتصر بعض المدن وتتعثر أخرى رغم استضافة نفس الحدث؟ الحقيقة أن ما يحكم نتيجة أي سوق ليس كأس العالم في حد ذاته، بل ثلاث عوامل تتشابك معه وتُحدد تأثيره.

أولًا، ما هو حجم السوق العقاري الأصلي، ومدى قدرته على تقبل الطفرة التي تحدث في عدد الزوار. عادة ما تكون المدن الكبرى ذات الأسواق العقارية الراسخة مثل لوس أنجلوس أو ميامي في مونديال 2026 قادرة على هضم الطفرة بهدوء أكبر. أما المدن الأصغر أو الأسواق الناشئة مثل كانساس سيتي فستكون أكثر عرضة للتصحيح حين يذهب الزخم.

ثانيًا، هل الاستثمار يخدم الحاجة الفعلية أم كأس العالم وحده؟ القاعدة هنا واضحة، ما بُني لتلبية نمو سكاني وسياحي قائم فعلًا يحتفظ بقيمته، وما بُني للحدث وحده يكون مصيره صعبًا بعد انتهاء البطولة. وهذا ما حدث في قطر فعلًا، مترو الدوحة الذي بُني تحضيرًا للمونديال لازال يخدم السكان اليوم، على عكس الوحدات السكنية التي شيدت حصرًا للمونديال.  

ثالثًا، قدرة المدينة على تحويل الاهتمام إلى وجهة دائمة. المونديال إعلان مجاني للمدينة أمام مليارات المشاهدين. لكن هذا الإعلان لا يُغيّر المعادلة إلا إن كانت المدينة تملك ما تقدّمه — سياحة حقيقية، وبيئة أعمال جاذبة، ومقومات معيشية. من جهة، المدن التي تملك هذه المقومات تحوّل الاهتمام المؤقت إلى طلب دائم. ومن جهة أخرى، المدن التي لا تملكها تعود إلى ما كانت عليه بعد انتهاء البطولة بأشهر.

ما هي قدرة المدينة على تحويل الظهور العالمي إلى وجهة دائمة؟ المونديال إعلان مجاني للمدينة أمام مليارات المشاهدين. لكن هذا الإعلان يُغيّر المعادلة فقط إن كانت المدينة تملك ما تقدّمه بما في ذلك سياحة حقيقية، وبيئة أعمال جذابة للشركات، ومقومات معيشية جيدة. المدن التي تملك هذه المقومات تُحوّل الاهتمام المؤقت إلى طلب دائم. أما نظيرتها التي لا تملكها تعود إلى ما كانت عليه بعد انتهاء البطولة بأشهر.

تأثير استضافة السعودية لكأس العالم 2034 على السوق العقاري السعودي

إذا قارنا السعودية بالأمثلة السابقة، سنرى أن المشهد في المملكة مختلف. ببساطة، بنت البرازيل وقطر بنيتهما التحتية تحضيرًا للمونديال، على عكس السعودية التي تُطوّر مدنها منذ سنوات في إطار رؤية 2030، وجاء المونديال ليُسرّع هذا المسار. هذا الاختلاف سيُقلّل بدوره خطر فائض المعروض، لأن المشاريع مُصمَّمة لتلبية احتياجات حقيقية.

بحسب تقرير ديلويت لسوق العقار السعودي 2025، بلغت مبيعات العقارات السكنية في الرياض وجدة والدمام 118 مليار ريال سعودي عام 2024، بزيادة بنسبة 50% عن العام السابق له 2023. وهو ما يشير إلى نمو فعلي قوي حاليًا في قطاع العقارات قبل أي ضخ إضافي مرتبط بالمونديال.

بالتأكيد ستستفيد بطولة كأس العالم من الاستثمارات الموجودة مسبقًا، وستعزز مكانة المملكة العربية السعودية كرائدة في مجالات السياحة والعقارات والابتكار. إذ يُتوّقع أن يجذب كأس العالم 2034 ما بين 5 و7.5 مليون زائر حسب تقديرات الراجحي للمالية، مما سيعزز الطلب على خدمات الضيافة والإيجارات قصيرة الأجل. 

وتشهد أسعار العقارات السعودية بالفعل وتيرة نمو متصاعدة، إذ ارتفعت أسعار الشقق في الرياض بنحو 10.6% خلال 2025 بحسب تقرير شركة نايت فرانك للخدمات العقارية. ويُتوقع أن يتضاعف حجم السوق العقاري تقريبًا ليبلغ 141.6 مليار دولار بحلول 2034 حسب تقرير لشركة إيمارك المتخصصة في أبحاث السوق.

كيف يمكنك كمستثمر الاستفادة من كأس العالم؟ 

بناءًا على التجارب السابقة، وترجمة الأرقام والتوقعات التي أشرنا إليها، إليك 4 نصائح حتى تستفيد كمستثمر من الفرصة القادمة في كأس العالم 2034: 

  1. ادخل في مرحلة التحضير وليس الذروة: الفرصة الحقيقية في مرحلة التحضير المبكرة، قبل أن يرفع الإعلام التوقعات ومعها الأسعار إلى مستويات تُضيّق هامش الربح. 
  2. ابحث عن العقارات المستفيدة من البنية التحتية: العقارات القريبة من مشاريع المترو، والأحياء التجارية الناشئة، والمطارات لا ترتبط قيمتها بنجاح البطولة، لكن بالتحوّل الفعلي في قيمة الموقع نفسه.
  3. الإيجار القصير فرصة حقيقية لكن لها سقف زمني: الإيجار دخل مُغرٍي لكنه مؤقت، لا يُعامل كأساس لحساب العائد طويل المدى. قيّم عقارك دائماً على أداء الوقت الطبيعي وليس أسابيع البطولة.
  4. نوّع بين الأنواع العقارية والمواقع: التنويع هو القاعدة الذهبية في أي استثمار، وتصبح أهميته أضعاف في سياق كأس العالم. يمثل نموذج الملكية الجزئية أحد الحلول التي تسمح لك بالدخول في أكثر من عقار وأكثر من سوق بدون الحاجة لرأس مال ضخم.

في النهاية، كأس العالم قد يكون عاملًا داعمًا لسوق العقارات، لكنه نادرًا ما يكون السبب الرئيسي لنموه. المدن التي تمتلك مشاريع حقيقية ومحركات اقتصادية قوية هي الأكثر استفادة من الحدث. ومع استمرار مشاريع التطوير في السعودية، تبدو الفرصة الحقيقية في متابعة هذه التحولات والاستثمار فيها مبكرًا، لا في انتظار انطلاق البطولة نفسها.

اترك رد

اكتشاف المزيد من Madak

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة